الأربعاء, 27 شباط/فبراير 2019 11:01

الحوار الاجتماعي الذي لم يستو بعد على سوقه

مازال الحوار الاجتماعي يعيش حالة ثالثة بين حالتي المد والجزر، فهو لم يستو بعد على سوقه ليُعجب المتضررين من السياسات العمومية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، ويغيظ به المتربصين بمصلحة الشغيلة ومصلحة الوطن في الأمن والاستقرار، بحيث تعطل محرك سفينة هذا الحوار مرة أخرى، ولم تسجل أية إشارة في اتجاه تضييق الخلاف بين ممثلي الشغيلة والحكومة المغربية، كما أن الحوار القطاعي هو الآخر في طريق أن تعترضه عقبات تعصف بمكتسباته؛ فمنطق البلاغات والبيانات لتسجيل المواقف قد يكون في بعض الأحيان ضارا غير نافع بمسلسل الحوار الذي بدأ ولم يستوي بعد على سوقه...كما أن السكون والهدوء وعدم الحركة قد يضر أيضا بمصلحة الطبقة الشغيلة.

فإذا كان من حق المنظمات النقابية أن تأخذ مواقف وتعبر عن رأيها تجاه العرض الحكومي المقدم في إطار جلسات الحوار الاجتماعي بينها وبين الحكومة وقطاعاتها الوزارية. كما أنه من حق الحكومة المغربية، أيا كانت هذه الحكومة، أن تقترح في عرضها ما تتحمله ماليتها العمومية، ويضمن لها التوازن لسياساتها المالية والاقتصادية، ويحقق العدالة بين الفئات الشغيلة وأرباب العمل، وعلاقة  ذلك بالعرض والطلب الكلي في الاقتصاد الوطني.

والناظر إلى مختلف جولات الحوار الاجتماعي، وعلى الرغم مما عرفته هذه الجولات من مد وجزر، وحركية وسكون، وحوار وتوقف، وانسحاب واحتجاج.. سيدرك مدى تقدير مدنية  الفعل النقابي، ومركزيته في السلوك النضالي المجتمعي، فضلا عن مدى عمق فكرة  المصلحة  في  الدفاع عن الدولة ومصلحتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  والجمع في هذه الحالات أولى من الترجيح، لأن كل طرف يدافع عن موقفه من موقعه الذي يشغله، ولا تناقض في ذلك، ولا حرج... بل هو تقدير سياسي في لحظة سياسية؛ فالنقابي اليوم سيكون غدا وزيرا، والوزير اليوم سيكون نقابيا أو معارضا غدا.

وأيا كانت نتائج الحوار الاجتماعي، فإن المستفيد سيكون هو المجتمع والدولة معا، في دورة اقتصادية واجتماعية تدور فيها مصالح المجتمع والدولة، تتشابك حينا وتتساوى حينا آخر، فكل طرف يقوي الطرف الثاني، ويتغذى منه بطريقة تبادلية دائرية.

وإذا كانت العادة قد جرت على أن كل قطاع يدافع عن ميزانيته بمنطق تحصين المكتسبات والمطالبة بالزيادة في الاعتمادات  كل عام؛ فالضرورة الوطنية والمصلحة العامة تقتضي من الحكومة، ومن مختلف مكوناتها السياسية، القدرة على التعامل مع سلة الاحتياجات المجتمعية جميعها بمنطق "انصر أخاك"، لترتيبها بحسب درجة أولوياتها المستعجلة والملحة والضرورية،  لضمان الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، وعدم إيقاعهم في خانة ذوي المسغبة والمتربة... وبذلك نستطيع أن نهذب من حدة الفقر الكاشح الكاسح الجارح، وحتى لا يصير هذا الفقر كفرا بالوطن، وكفرا بأمنه واستقراره، وبقانون ماليته، ومنظماته النقابية وأحزابه وجمعياته... 

وكل حوار اجتماعي والمواطن والنقابات والحكومة بألف خير .

صالح أبو أنس