Friday, 11 August 2017 10:45

مكانة الشباب في الإسلام

تعتبر مرحلة الشباب مرحلة اكتمال النمو، ففترة الشباب تعد نضوجاً تاماً مكتمل، إن كان جسمياً أم فكريّاً، ويطلق عليها البعض بـ الفترة الذهبيّة، لأنّها مرحلة الحريّة والخلوّ من المسؤوليّات، وهي مرحلة الأجمل والأزهى بالنسبة للإنسان، فنجده طليقاً عند الأغلب، خالياً من الارتباطات أو المشاغل، مستمتعاً بحياته وبالأحداث التي تواجهه برغم تقلّباتها الكثيرة، كما أنّ مرحلة الشباب هي بالنسبة لكل لإنسان الأعظم والتي لا يمكن له أن ينسى تفاصيلها.

فكلمة شباب جاء من شَبّ والتي تعني الاشتعال، وما هذه المرحلة إلّا اشتعال بالطّاقة، والنضوج، وحبّ السهر، والمرح، والرياضة، والتهوّر، والسعي وراء التجارب، فنجد بأنّ لهذا العمر لغة خاصّة يتعاطاها الشباب فيما بينهم ومصطلحات تكاد تفهم فيما بينهم عن طريق الهمس أحياناً، حيث تكمن أهميّة مرحلة الشباب في التميّز، فنجد أنّ معظم الحاصلين على أرقام قياسية أو إبداعيّة أو حتّى أعمال خارقة لم تأتِ إلّا في هذه المرحلة.

هذه المرحلة من العمر هي أهم المراحل لما تتميز به عن غيرها، ومن ذلك ما يلي:-

1 - فترة القوة والإنتاج:

يمر الإنسان في مراحل حياته بمراحل تتفاوت قوة وضعفاً، فهو يخرج إلى الدنيا صغيراً ضعيفاً، لا يعلم شيئاً، ثم يكبر شيئاً فشيئاً، فيقوى جسمه وتنمو حواسه ويزداد عقلاً وعلماً، حتى يبلغ أشده.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطور في حياة الإنسان، حيث يقول الله سبحانه وتعالى {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل الكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}. أي أن الله أخرج عباده من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة وهي العقول التي يميز يها بين الأشياء ضارها ونافعها وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه.

ولكن هذه الفترة من القوة التي تصاحب مرحلة الشباب لا تدوم، فإن الإنسان يرد مرة أخرى إلى الضعف إذا تقدم به العمر، وإلى هذا أيضاً أشار القرآن الكريم، كما في قوله سبحان وتعالى {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بد قوة ضعفاً وشيبة}. أي أحدث لكم الضعف بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم.

ولما كانت هذه المرحلة تتصف بالقوة والنشاط والحيوية، كانت تبعاً لهذا هي مرحلة البناء والإنتاج الذي تتطلبه الأمم وتقوم عليه الحضارات في كل زمان ومكان. فإن المنخرطين في سلك العمل على اختلاف أنواعه معظمهم من هذه الفئة فئة الشباب.

2 - أفضل مراحل العمر:

تعود الأفضلية لهذه المرحلة من العمر لما يتمتع به الإنسان فيها من القوة والنشاط، دون غيرها، ولما يتوافر لها فيها من كمال الحواس، فهو في هذه المرحلة أقدر على الانتفاع بحواسه من أي مرحلة أخرى.

ومما يدل على كون هذه المرحلة هي أفضل مراحل العمر، هو أن الله سبحانه وتعالى عنما يجازي الناس يوم القيامة، يجعل أهل الجنة شباباً لا يهرمون أبداً. وذلك من كمال السعادة. كما أن راحة الحياة وبهجتها غالباً ما تكون في مرحلة الشباب، فهي مرحلة يتطلع إليها الصغير، ويتمناها الكبير، ولذا فقد بكى عليها الشيوخ وتغنى بها الشعراء.

مع ذلك؛ يبدو واضحاً من الأمثلة القرآنية أن الفتوة، في معناها المادي والمعنوي، اجتمعت في نماذج رائعة ومعبّرة، لتكون قدوة للشباب والفتيان في طريق التكامل الانساني، لذا نجد الكتاب المجيد يضرب أفضل الأمثلة وأجملها في عدد من الأصفياء من الأنبياء الذين اختارهم الله - عزّ وجل - لرسالاته ووحيه.

ومن أمثلة الشباب في القران الكريم، المثال الأول؛ النبي إبراهيم، عليه السلام، فإنه كان يتطلّع إلى الآفاق الواسعة، ويفتش عن الحقائق الناصعة، ويملك الشجاعة العالية، فيتأمل ويفكر في ملكوت السموات والأرض، حتى أدلّه الله - تعالى - على الحقيقة، وتبرأ من الأصنام ومن كل المشركين، فقال الله - تعالى - في كتابه الكريم: {وَكَذلكَ نُري إِبرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَمَاوَاتِ وَالأرضَ وَلِيَكونَ مِنَ المُوقِنِيـنَ}. (سورة الأنعام: 78)

والمثال الثاني الذي يضربه القرآن الكريم للفتيان والشباب هو النبي يوسف، عليه السلام، وهو الذي آتاه الله العلم والحكمة عندما بلغ أشده، وأصبح الفتى، القوي، الصابر، الصامد أمام عواصف الشهوة، والإغراء بالجنس، والاغراء بالمال والجاه، وأمام ضغوط الاضطهاد، والقمع، والتهديد بالسجن، والمكسر لكل القيود، وأغلال العبودية، وأغلال الشهوات، وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ...}. «سورة يوسف: 30» وفي مكان آخر يبين القرآن الكريم منزلته الرفيعة: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ}. (سورة يوسف: 22)

والمثال الثالث هو النبي موسى، عليه السلام، وهو الذي عاش في أحضان زوجة فرعون، وترعرع وشبّ غير بعيد عن أجواء الطاغوت والجبروت والترف والدلال، بعد ان اتخذه فرعون ولداً، بيد أن موسى، عليه السلام، بقي متمسكاً بجذوره الرسالية، ومرتبطاً بأصله الإلهي الرباني، يتجنب معونة الظالمين، وينتصر للمظلومين ويدافع عنهم، ويَمُدُّ يَدَ العَونِ والمساعدة للضعفاء والمحتاجين، وكان يتحمل الآلام والمعاناة والمطاردة والهجرة من أجل ذلك، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.

قال الله عزّ وجل: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاستَوَى آتَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ} (سورة القصص: 14)

والمثال الرابع؛ أهل الكهف، قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدنَاهُم هُدىً}. (سورة الكهف: 13)

إن هذه الصور والأمثلة الواقعية الجميلة والمعبِّرة عن الأبعاد المختلفة تنطلق من مفهوم صحيح للفتوة، والشباب، والقوة، وهو التوحيد في العبودية ورفض العبوديات الأخرى، والسيطرة على الشهوات والرغبات، ونصرة المظلومين والدفاع عنهم، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، والتمرد على الواقع الفاسد ورفضه بشجاعة وتضحية.

س.ز/ الإصلاح