الجمعة, 05 كانون2/يناير 2018 17:33

في التذكير بحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال

*الحمد لله  دعا إلى تتبع آياته في الآفاق وتدبر أحوال الأمم فقال و هو أصدق القائلين:" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"[الحج46]

* و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد القائل" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض" ( البخاري)

* و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  حث على  الاعتبار بقصص السابقين وسير الأولين، قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [يوسف 111].

* ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته  والتابعين، وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين .

* أما بعد ، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك  منهاجا قويما   و سبيلا رشدا ومن يعص الله و رسوله فقد غوى  و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه  و يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله         و سؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله : إن كتاب الله يدعونا إلى الاعتبار بتقلب الليل و النهار، واستخلاص الدروس والمواعظ  من أحوال الأمم: كيف تقوم وكيف تنهار؟ وكيف تتقلب بين ازدهار وانحدار و بين انتصار و اندحار؟، لذلك لاينبغي لا ـ معاشر المؤمنين ـ أن تمر بنا المناسبات الدينية أو الوطنية دون أن نعي ما تحمله من عبر وفوائد وأسرار. و الواحد منا لا يخلو حاله من أمرين: إما أن تكون له تجارب خاصة عليه أن يستغلها في تصحيح أفكاره وتدعيم إيمانه، وإما أن يكون خالي الذهن لا علم له. فالواجب عليه أن يستفيد من معارف الآخرين وتجاربهم. فالعمر قصير، والحياة حقيقة هي حياة الفكر و الضمير، والإسلام يبني الإيمان في نفوسنا و يرسخه على الدعائم المكينة من التروي والتأمل والبحث، ألم يقل سبحانه قال تعالى:" قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ([آل عمران 137]....فالله سبحانه يدعونا إلى دراسة الحضارات البائدة واكتشاف علل فنائها، حتى نجتنب مواطن الزلل التي هوت بالأولين، وحتى لا تكون حياتنا سدى ! فننتفع بسير الماضين و نعتبر بمقالب الزمن وأحداث التاريخ، وإنه لمن المؤسف فعلا أن نرى من بني جلدتنا و إخوة وطننا  من لا يعرفون من تاريخهم الشيء الكثير عنه -إلا من رحم الله – ولا شك أن هذا موقع لهم في الخلل في الفهم و التقدير...كما إنه من العيب الكبير أن يجهل المواطن المغربي تاريخ بلاده ووطنه وأهمَّ الأحداث التي تمخض عنها استقلاله وتحريره، وإنه لمن العجب أن تجد العديد من المثقفين اليوم إذا ما سألتهم عن الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية تكلموا فيها بإسهاب، وإذا سألتهم عن أزمة 1929 أو تاريخ ومراحل الحرب العالمية الأولى والثانية، تجدهم على علم بذلك وربما بالتفصيل، بينما إذا سألتهم عن تاريخ المظاهرات المغربية لنيل الاستقلال أو عن عدد الشهداء الذين قدمهم المغرب من أجل تحرير بلاده أو عن المراحل الثلاثة لحدث المسيرة الخضراء فلا ينطق ببنت شفة،إنه لمن العار أن ينتمي المرء لوطن يجهل تاريخه مع انه يتمتع بخيراته و يعيش في ظل الأمان و الاطمئنان على نفسه  و أهله و على ممتلكاته.

 لذلك نستغل خطبة اليوم للحديث عن محطة من المحطات التاريخية التي ينبغي لنا الاعتبار بذكراها: نعم إنها محطة مشرقة في مسلسل الكفاح الوطني، ضد الاستعمار الذي خاضه الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد من أجل الحرية والاستقلال لسيادته الوطنية، تم تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال لبطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، من طرف مجموعة من الوطنيين من صفوف الحركة الوطنية للمقيم العام للحماية الفرنسية بالمغرب، ومفوضيات الولايات المتحدة، وبريطانيا، والاتحاد السوفيتي، تطالب باستقلال المغرب، واستعادته لسيادته، وقد شهدت الشوارع المغربية على إثر تقديم هذه الوثيقة تظاهرات حاشدة في 29 يناير من   سنة 1944 لتأييد هذه الوثيقة، وقد ركزت هذه الوثيقة على مجموعة من المرتكزات منها:

  1. 1. استقلال المغرب في ظل الوحدة الترابية للمملكة؛ إرساء ملكية دستورية وديمقراطية، تضمن الحريات الفردية والجماعية؛3. المساهمة في الحياة الدولية بشكل يحترم سيادة المغرب؛4 إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق، تحفظ فيه حقوق وواجبات جميع عناصر الشعب المغربي؛5.  الدفاع عن الوحدة الاجتماعية والعقدية للمغاربة لإفشال كل  المخططات الاستعمارية.

 وكان لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال الأثر البالغ والعميق في مختلف جهات المملكة إذ تلتها صياغة عرائض التأييد كما نزلت جماهير غفيرة إلى الشوارع في مظاهرات تأييد أشهرها مظاهرة 29 يناير 1944 التي سقط فيها عدة شهداء برصاص قوات الاحتلال . هذا وقد كانت وثيقة المطالبة بالاستقلال في سياقها التاريخي والظرفية التي صدرت فيها، ثورة وطنية بكل المعاني والمقاييس جسدت وعي المغاربة ونضجهم وأعطت الدليل والبرهان على قدرتهم وإرادتهم للدفاع عن حقوقهم المشروعة وتقرير مصيرهم وتدبير شؤونهم بأنفسهم وعدم رضوخهم للنفوذ الأجنبي والإصرار على مواصلة مسيرة النضال التي تواصلت فصولها بعزم وإصرار في مواجهته والتصدي له إلى أن تحقق النصر المبين بفضل الإرادة المجتمعة للعرش والشعب.

أيها المؤمنون:إذا كان آباؤنا و أجدادنا قد استرخصوا الغالي والنفيس من أجل تحرير بلادهم، وضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل التقدم والحرية لهذا الوطن العزيز، و لم يفعلوا ذلك ابتغاء الدنيا و الجاه السلطة و إنما فعلوا ذلك غيرة على دينهم و أوطانهم، فإنه حري بنا أن نتذكر مفاخر أعمالهم العظيمة وبطولاتهم الجسيمة من أجل تحرير البلاد والعباد، بل ونُحفظها أبناءنا وأحفادنا حتى لا يكونوا مقطوعي الصلة بتاريخهم وإنجاز أجدادهم من أجل الدفاع عن حوزة الدين والوطن، وحتى لا يجهل هذا الجيل الصاعد بأن لأجداده تاريخا مشرفا لا يقل عن غيره من الأوطان يجعله يرفع رأسه شامخا أمام غيره ممن رضوا بالاستعمار واستكانوا له،

إننا نستقبل ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال- والتذكر والاستذكار عبادة-  فالشعب المغربي يحتفل بهذه الذكرى ويخلدها في اليوم الحادي عشر يناير من كل سنة. تلكم الوثيقة التاريخية التي تقدمت بها الحركة الوطنية إلى السلطات الاستعمارية بتوجيهات من زعيم المقاومة المغربية محمد الخامس رحمه الله وطيب ثراه، هذا الملك الذي قام بدور كبير و بطولي في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار الغاشم و الدفاع عن الاستقلال و الوحدة،  و على نفس النهج تلاه خلفه الملك الحسن الثاني الذي استمات و ناضل في سبيل الدفاع عن المقدسات الدينية و الوطنية و حماية الوحدة الترابية المغربية،    و ها هو جلالة الملك محمد السادس حفظه الله و رعاه سائر في سبيل نهضة البلاد و تقدمها نحو مستقبل أفضل في جميع القطاعات، بحيث أصبحت ذكرى المطالبة بوثيقة الاستقلال حدثا  بارزا في تاريخنا، و ذكرى مجيدة من أمجادنا تخلد كل سنة باحتفال لما ترمز له من معاني التضحية و الفداء       و التلاحم المتين بين العرش و الشعب، و كيف لا و قد كان من نتائجها أن اندحر المستعمر ناكصا على عقبيه، و رجع من حيث أتى و هو ذليل حسير. فاللهم اهدينا فيمن هديك وعافينا فيمن عافيت واصرف عنا شر ما قضيت إنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك تباركت ربنا وتعاليت نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وأجرني وإياكم من عذابه المهين، وغفرلي ولكم لجميع المسلمين. والحمد الله رب العالمين..

الخطبة الثانية

* الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد :

 أيها المومنون لقد كان على المغاربة أن يشكروا الله تعالى على نعمه الظاهرة و الباطنة، وأن يستخلصوا العبر والمواعظ، فما هي يا ترى  الدروس التي يمكن أن نستفيدها من هذه الذكرى الوطنية؟

الدرس الأول: صدق اللجوء إلى الله تعالى الذي له القوة و العزة جميعا، فالباطل مهما صال وجال فهو ضعيف."ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوَهِّنُ كَيْدَ الْكَافِرِينَ" [الأنفال 18].. فقد وقف حينها الخطباء يذكرون الناس بفضل المجاهدين في سبيل الله تعالى وغصت المساجد بالناس، والتجأت النفوس إلى الله ونادت متبتلة:" اللهم إنا نستنزل نقمتك وعذابك للظالمين، نرجو منك المعونة للقوم المستضعفين، اللهم إن القوم من المستعمرين قد بغوا علينا، وسلبونا أموالنا وحريتنا وزعموا أنهم يخدمون بلادنا وأمتنا، اللهم أنت العليم بما في  نفوسهم..." التجأوا معتمدين على الله تعالى  فكان النصر والتأييد.. ونحن إذ نحيي هذه الذكرى إنما نفعل لأن من الواجب أن نشكره تعالى على منه وفضله وكرمه.. فهو المتفضل علينا بذلك النصر و الاستقلال.. فمن أدى واجب الشكر فإن الله تعالى سيزيده نصرا وفضلا.. قال تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ"[إبراهيم7]،  

و أما الدرس الثاني:  فيتمثل في الوحدة الإسلامية التي كان يتميز بها الشعب المغربي المجاهد، بالمواقف الثابتة، والتضحيات الجسام، والبطولات الخالدة، مستلهما قوته وثباته من قول الله وتعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"[آل عمران139]، وقوله سبحانه : "الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ إِيمَانًا*وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"[آل عمران173]،

فكيف هو ياترى حالنا اليوم؟ وماذا صرنا إليه ؟.. ألا فلنتق الله و لنستحضر قوله سبحانه:"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"[الإعراف 169] وقوله عو من قائل:" فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"[مريم 59]..

فاتقوا الله عباد الله واستعينوا على ذلك كله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره  و مقداره العظيم.صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات وتطهرنا بها من جميع السيئات، و ترفعنا بها أعلى الدرجات و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين. و ارض اللهم عن أصحاب رسولك وخلفاء نبيك القائمين معه وبعده على الوجه الذي أمربه و ارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة  والأنصار منهم و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم،  و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لاتخالف بنا عن نهجهم القويم و سنتهم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته :

" ذ. سعيد منقار بنيس"

الخطيب بمسجد " الرضوان " لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء

أستاذ العلوم الشرعية

بالمدرسة القرآنية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني

مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد 

  البريد الالكتروني عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.