السبت, 30 كانون1/ديسمبر 2017 11:01

ضوابط في استقبال السنة الميلادية الجديدة

الحمد لله الذي فطر الخلق على ما تستحسنه العقول، وأيد ذلك بما أنزله على الرسول، ففطرة الله التي جبل الناس عليها خلقا أمرهم بها تعبدا وشرعا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عجزت عن إدراك حكمته الألباب، وذلت لعزته وعظمته جميع الصعاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالحنيفية ملة إبراهيم الذي قال الله تعالى في حقه :مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

أيها الإخوة المؤمنون، إن استقبال سنة جديدة وما يصاحبها من احتفالات ومنكرات وأحداث يفرض على العلماء أن يبينوا للناس حكم الشرع في كل ذلك، امتثالا لأمر الله تعالى الذي أخذ العهد والميثاق عليهم بأن يبنوا للناس ولا يكتمون. فأقول وبالله التوفيق:

أولا: أود أن أؤكد في بداية الخطبة مشروعية أن يحتفل الإنسان بمولده، أو بمولد قريب له كالأبناء وغيرهم، وقد فضلنا القول في مشروعية الاحتفال بمولد سيدنا محمد بن عبد الله عليه السلام، ومن ثم فإن يحتفل الإنسان بمضي سنة من عمره وأن يجتمع مع أسرته ويفرح بذلك فأصله الإباحة، ما لم يصاحبه محظور شرعي كالاجتماع على الخمر والمجون، وتعري النساء بحضرة الرجال.

ولكل ذلك نقول أن تبادل التهاني بمرور سنة من أعمارنا واستقبال أخرى يدخل في المباح شرعا، سواء كانت السنة شمسية أو قمرية، وإن كان الواجب على المسلمين أن يعتنوا أكثر بالسنة القمرية لارتباطها بالعبادات. وعلينا أن نعلم أن الشمس والقمر آيتين من آيات الله تعالى، جعلهم لنا لنتعرف السنين والحساب ونضبط الأعمال والالتزامات، والعالم اليوم يعتمد بشكل أساسي على السنة الشمسية في كافة الأمور، وإنه باستثناء المسيحيين الممارسين الذين يحتفلون بأعياد ميلاد المسيح، فإن عامة الأمم تتبادل التهاني بمناسبة السنة الجديدة، ولا تربطها بأعياد الميلاد. ومن ثم فالتهنئة بسنة سعيدة أمر لا شيء فيه من الناحية الشرعية، ما لم يرتبط بالمجون والخمر وغيره من الموبقات.

ثانيا: أن يحتفل النصارى بعيسى عليه السلام وأن يذكروه في ميلاده – لو صح التاريخ- فهو أمر مفيد ويُعمق تذكر الأنبياء جميعا وعيسى عليه السلام وما قدموه للبشرية. ولا شك أن القرآن الكريم أثنى على عيسى عليه السلام ومدحه بخصال حميدة، ينبغي للشباب المسلم أن يغترف منها كالبر بالأم، والتواضع، والصبر، وكثرة العبادة والصلاة. فقد قال الله تعالى : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } [مريم: 31، 32]

ولكن ما يعاب على النصارى انحرافهم في حقيقة المسيح عليه السلام، وضلالهم في ذلك. فمنهم ما عظمه وجعله ابن الله:(( وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ )) ومنهم من قال هو الله قال تعالى: (( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ )) وذلك ضلال في حقيقة عيسى عليه السلام. وسيبرأ عيسى عليه السلام من غلوهم فيه منهم، وسيفضحهم يوم القيامة، حين يسأله الله تعالى: ((أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله؟"، فيكون جوابه: (( سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُم إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))المائدة: 116، 117.

ثالثا: أن يشترك المسلمون مع النصارى في اعتقادهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما حيث يقول بعضهم هو الله وبعضهم يقولون هو ابن الله، فذلك من الكفر الذي لا يليق بالمؤمنين فعله ولا الإعانة عليه. روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَ لَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".

وينبغي أن نعلم أبناءنا أننا نؤمن بعيسى وموسى عليهم السلام كرسل، وأنهم بشروا بالنبي الخاتم محمد بن عبد الله الذي قال في حق سيدنا موسى عليه السلام: ((وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى  صلى الله عليه وسلم  كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي)) رواه أحمد وهو حديث حسن.

وهنا نحتاج إلى التأكيد على أهمية الحذر من التشبه بالنصارى في اعتقادهم، أو الاحتفال بالمظاهر التي تتضمن ما له علاقة بعقيدتهم ( كشجرة الصنوبر، أو صور البابا نويل ....فقد قال النبي عليه السلام: ((مَن تَشَبَّهَ بِقَومٍ، فَهُوَ مِنهُم)) أبو داود. وفي رواية أنه قَالَ: ((لَيسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بِغَيرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى...)). ولقد أفتى علماء الأمة في الماضي وخاصة المالكية بمنع أو تحريم الاحتفال بليلة يناير، بسبب ارتباطها بأعياد النصارى في زمانهم، وكذلك حرصا منهم على تميز المسلمين في شعاراتهم .

رابعا: أن يتبادل المسلمون التهاني مع غيرهم من أهل الكتاب في مناسباتهم الدينية فإنه يختلف بحسب الأحوال، ولعل الراجح أن يبر المسلم من يعاشره من أهل الكتاب غير المحاربين لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]. وإن مقتضى العدل، وأخلاق المسلم في حسن التعامل مع غيره تقتضي أن نبادلهم بما يعاملوننا به. ويتأكد ذلك في حق الزوجة الكتابية، أو في حق من يعاشرهم المسلمون في ديار الغرب من النصارى، أو من يشتغلون معنا من النصارى، ويبدؤوننا بالتهنئة في أعيادنا الإسلامية.

خامسا: أن نظهر المنكرات والفجور بمناسبة نهاية السنة الميلادية، وأن يتسابق الناس فيها على شراء الخمور، وحجز الفنادق الفخمة لإحياء ليلة العام بالاختلاط والرقص، وتبذير المال فذلك مما لا يقبله الإسلام من المسلم  في هذه المناسبة وفي غيرها. إن الفرح مشروع باستقبال سنة جديدة، والأليق فيه أن يرتبط بشكر الله على إطالة العمر، وعلى استقبال سنة أخرى وجب الحرص على تجديد النية في القيام بالأعمال الصالحة واغتنام ما بقي من العمر. 

إن وسائل الإعلام تركز على أحداث السنة المنصرمة، ويا حبذا لو ربطت ذلك بالتذكير بوجوب المحاسبة الفردية والجماعية على التقصير في جوانب وقضايا متعددة:

التقصير في الارتقاء الفردي بالنفس، والتدرج في معالي الكمال.

التقصير في العمل الاجتماعي الخيري بين أفراد الأمة، من مثل دعم المناطق الهشة، وخاصة مع موسم البرد والثلوج،

التقصير في التعليم وفي مردوديته عندنا،

تقصير الأمة في الانتصار لقضاياها العادلة وفي مقدمتها قضية القدس وفلسطين.

الدكتور الحسين الموس