الثلاثاء, 09 تشرين1/أكتوير 2018 16:58

خلق التواضع في الإسلام

التواضع دليل على طهارة النفس وسلامة القلب من أمراض التكبّر والخيلاء، ويمثل خلق التواضع ركناً مهماً في تكوين شخصية المسلم وسلوكه، لأنّ التواضع في جوهره دعوة عملية إلى المحبّة والمودّة والترابُط، ووسيلة لتحرير القلوب من أغلال الحسد والكراهية.

التواضع صفة محمودة وسبيل لنيل رضا الله سبحانه وتعالى، وقد جعل الله سبحانه وتعالى سنّه جارية في خلقه أن يرفع المتواضعين لجلاله، وأن يذل المتكبرين المتجبرين، قال رسول الله (ص): "ما تَواضع أحد لله إلاّ رفعه". أمّا الذي يسلك مسلك المتكبّرين، فقد باء بشؤم العاقبة، يقول الله عزّوجلّ في الآية 72 من سورة الزمر: (.. فَبِئْسَ مَثْوَى المُتكبِّرِينَ).

وهو صفة من صفات المؤمنين والمؤمنات، وقد حَثّ رسول الله (ص)، على الإلتزام بها، وحَضّ المؤمنين على الإبتعاد عن التكبر، الذي ينتهي بصاحبه إلى الدَّرْك الأسفل من النار، لأنّ التواضع في غير مَذلّة ولا مَهانة خلق يليق بالعبد المسلم. أمّا الكبر فهو ليس له، ولا ينبغي لمثله لأنّ الكبر صفة من صفات الربوبية، ولا يليق بالعبد الفقير إلى مَولاه. فعن أبي هريرة (رض)، أنّه قال: رسول الله (ص): "قال الله عزّ وجلّ: الكبرياء ردائي، والعَظَمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار".

والتواضع في اللغة هو التذلل، وتواضع الرجل إذا تذلّل، وقيل ذل وتخاشع، وهو مأخوذ من تواضعت الأرض، أي انخفضت عمّا يليها، فالتواضع يدل على خفض الشيء. أمّا التواضع عند علماء الأخلاق، فهو لين الجانب والبُعد عن الإغترار بالنفس، حيث قالوا إنّ التواضع هو اللين مع الخلق والخضوع للحق وخفض الجناح.

لم ترد كلمة التواضع بلفضها في القرآن الكريم، إنّما وردت كلمات تشير إليها وتدل عليها، قال الله تعالى في الآية 63 من سورة الفرقان: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا...). والهون مصدر الهين، وهو من السكينة والوقار. وفي التفسير يمشون على الأرض حُلماء متواضعين يمشون في إقتصاد. لقول الله تعالى في سورة الإسراء الآية 37: (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا)، قال القرطبي هذا نَهى عن الخيلاء وأمر بالتواضع، والمرح شدة الفرح وقيل التكبر في المشي، وقيل تجاوز الإنسان قدره. وقال قتادة هو الخيلاء في المشي، وقيل هو البطر والأشر. (إنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ) تعني لن تخرقها بكبرك ومشيك عليها. (وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً)، أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك.

وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنّه خرج على قومه في زينته وأنّ الله تعالى خسف به وبداره الأرض، تفسير القرآن، وقال تعالى في سورة لقمان الآية 18: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). وقال القرطبي: الصعر. الميل، أي لا تُمل خدك للناس كبراً عليهم وإعجاباً بنفسك وإحتقاراً لهم، ولا تمش متبختراً متكبراً، الجامع لأحكام القرآن، كما قال ابن كثير: لا تتكبّر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤسها حتى تفلت أعناقها من رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر. (وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً)، أي متكبّراً جبّاراً عنيداً، لا تفعل ذلك يبغضك الله. ولهذا قال تعالى: (إنّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ)، أي مختال مُعجَب بنفسه فخور على غيره، تفسير القرآن العظيم.

و قد كان المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، متجمّلاً بفضيلة التواضع والخضوع لجلال الله، فقد قال تعالى في سورة النساء في الآيتين 172، 173: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)، أي أنّ المسيح (ع) لن يأنف أو يستكبر عن عبادة الله تعالى، فمن حقق صفة العبودية لله وكان صادقاً لا يمكن أن يكون متكبّراً، بل لابدّ أن يكون متواضعاً لأنّ العبودية لله تذكره دائماً بأنّ الناس إخوة له، فكلٌّ عبيد لله ولا يمكن للأخ أن يتكبر على أخيه. وكان عيسى (ع)، يقول: طُوبَى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة. ومن قبله موسى (ع)، إذ يُروى أن ممّا أوحى الله تعالى إليه "إنّما أتقبّل صلاة مَن تواضع لعَظَمتي ولم يتعاظَم على خلقي".

وها هو ربنا عزّ وجلّ يخاطب نبينا محمداً (ص)، فيقول في الآية 159 من سورة آل عمران: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...). ويقول تبارك وتعالى في سورة الشعراء الآية 215: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ المؤْمِنِينَ).

وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بكمال خلقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وقد وصفه ربنا عزّ وجلّ في كتابه العزيز بقوله تعالى في سورة القلم الآية 4: (وَإنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم)، فقد كان المثل الأعلى للتواضع بأقواله وأفعاله، وكان يجالس الفقراء والمساكين ويصغي إليهم، ويجيب دعوة العبد وينصت للأُمّة، فلا ينصرف عنها حتى تنصرف، وكان يجلس في أصحابه كأحدهم، بل يشاركهم العمل ما قل أو كثر. وقد وَصف أبو سعيد الخدري (رض)، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: "متواضعاً في غير مَذَلة".

وقد دعانا إلى التواضع، وحَثّ عليه بقوله: "إنّ الله أوحَى إليَّ أنْ تواضعوا حتى لا يَفْخَر أحد على أحد ولا يَبغي أحد على أحد". وقوله صلى الله عليه وسلم : "طُوبَى لمن تواضع في غير منقصة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة" إلى غير ذلك من الأحاديث التي تُبيِّن ما لفضيلة التواضع من أثر كبير في حياة الإنسان وفي تعامله مع الآخرين.

فلنُبادر إلى التخلّق بأخلاق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم والإقتداء بسيرته. فقد كان المثل الأعلى للتواضُع والأخلاق الكريمة الفاضلة التي تُنجي صاحبها من عذاب النار.

الإصلاح