الجمعة, 28 أيلول/سبتمبر 2018 12:25

بر الوالدين قيمة إسلامية عظيمة

بر الوالدين قرين توحيد الله، وعقوقهما قرين الشرك بالله: لا بد أن نعلم أن الله - عز وجل - قد حثَّنا على طاعة الوالدين، وقرنها بتوحيده – سبحانه -: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

ولقد قرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقوق الوالدين بالشرك بالله حيث قال: (إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس؛ وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة، إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة) أخرجه أحمد في مسنده، والترمذي، وابن حِبَّان في صحيحه.

وقد عني الإسلام بالوالدين عناية بالغة، وحض الأبناء على حسن معاملتهما وألزمهم بالبر بهما وطاعتهما، وفعل كل ما يرضيهما إذ أن برهما حق واجب إلا في ما حرم الله - عز وجل - أو نهى عنه فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. قال الله - تبارك وتعالى -: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا"، فقد قرن الله - تعالى - بر الوالدين بتوحيده وعبادته - جل وعلا - قال - تعالى -: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا"، وهذا تأكيد من الله - عز وجل - على ما بين العبادة لله وبر الوالدين من تلازم وارتباط. وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قلت: أي العمل أفضل؟ قال: " الصلاة على ميقاتها " قلت: ثم أي؟ قال: " ثم بر الوالدين " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " فسكتّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو استزدته لزادني، وهنا تأكيد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجوب وأهمية بر الوالدين، كما أنه سبب رئيس من أسباب دخول الجنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف " قيل: من يا رسول الله؟ قال: " من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة ".

وعن أنس  رضي الله عنه  قال: سئل النبي  صلى الله عليه وسلم عن الكبائر قال: ( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس، وشهادة الزور )، إذن حق الوالدين على الأبناء كبير، ومهما فعل هؤلاء الأبناء من الإحسان إليهما، والإنفاق عليهما، والتلطف معهما، والرفق بهما؛ فلن يردّوا إلا النزر القليل من أفضالهما عليهم. وقد يظن بعض الأبناء أنهم قد أدوا كافة الحقوق الواجبة عليهم لأمهاتهم وآبائهم بكفالتهم مادياً أو بمعاملتهم معاملة حسنة، وهذا الاعتقاد خطأ فقد رأى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - رجلاً قد حمل على رقبته أمه وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر، أتراني جازيتها؟ قال ابن عمر: "ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن قد أحسنت والله يثبك على القليل كثيراً".

تلك هي أخلاق الأنبياء التي يجب أن يتأسى بها كل مسلم على وجه هذه البسيطة المعمورة، والتطبيق العملي لتعاليم الإسلام في حياتنا يكون سبباً في إسعاد البشرية واستقرارها وإزالة التردي الحادث في العالم، فكم نسمع ونقرأ في الصحف عن حالات الاعتداء على الآباء والأمهات من قبل الأبناء سواء بالسب أو بالضرب أو الإهانة وغير ذلك.. وهذا كله يرجع إلى غياب الوازع الديني عند هؤلاء الأبناء العاقين، فإن عرفوا فضل بر الوالدين لما فارقوهما ليلاً ولا نهاراً..

وقد يظن البعض أن بر الوالدين ينقطع بموتهما، ولكن الحقيقة غير ذلك، فبر الوالدين دائم لا ينقطع والولد الصالح عليه أن يتحرى ذلك ويداوم عليه ويلزمه، والله - تعالى - فرض على الابن أن يذكر معروف والديه، بل يوجهنا القرآن الكريم إلى طلب الرحمة لهما.. وعدم نسيانهما من الدعاء، قال الله - تعالى -: "وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذا؟ فيقال باستغفار ولدك لك) . ومن أبر البر بعد موت الوالدين أن يبر الابن صديق الأب ويحسن ضيافته ويكرمه، وأن يوفي بعهد والديه، ويصل الرحم التي لا توصل إلا بهما في حياتهما الدنيا، فعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي - رضي الله عنه - قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: (نعم.. الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)، وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه)، تلك هي أخلاق الإسلام التي تربّى عليها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون، وما أحوجنا إلى التأسي بها وتطبيقها تطبيقاً عملياً في حياتنا اليومية. 

ومن ثمار البر بالوالدين البركة والبسطة في الرزق، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه )، ومن أراد أن يبره أبناؤه فعليه ببر والديه فعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم... ). والابن البار يهنأ بعمره، ويطمئن في عمله، وتحفه السعادة من كل جانب، كما أنه كفارة للذنوب فمن أراد أن يغفر الله له ذنبه ويتوب عليه فليبر والديه فما أعظم هذه الرحمات التي نحن عنها غافلون.

فليبادر كل من عنده أبوان أو أحدهما إلى إكرامهما والإحسان إليهما قدر الاستطاعة ففي ذلك الفوز والنجاح والفلاح والسعادة. 

الإصلاح