السبت, 07 تموز/يوليو 2018 10:55

صفقة ترمب ساقطة حتما

دائما المقاربة من جنس الجدلية، أو من جنس الافتراض الأساسي، وهذه قاعدة منطقية أساسية لا يتمكن صاحب العلم من التوصل إلى الاستنتاجات الصحيحة بدون أخذها بالحسبان.

لا مفرّ أبدا من ربط العلاقات المنطقية الجدلية بعضها ببعض إذا شئنا التوصل إلى تحليل علمي للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن لا يتقن ربط العلاقات الجدلية بعضها ببعض لا يمكن أن يتوصل إلى استنتاجات صحيحة. ولهذا لا يمكن أن يقوم المنافقون بإيصال مادة علمية منطقية للجمهور؛ لأن همهم الأساسي إرضاء المسؤول، وليس تقديم البيّنات سواء كانت منطقية أو وثائقية.

فإذا شئنا الوقوف عند تطورات مستقبلية فإن علينا أن نحسب أن الحصاد من جنس البذار، وما يقوم على افتراضات خاطئة لا يمكن أن ينتج سنابل قمح. وإذا شئنا مقاربة مشكلة، أي اتباع أساليب ووسائل متناغمة مع المشكلة التي نحن بصددها، فإن جهودنا تذهب سدى.

والمشكلة التي نحن بصددها تتكون غالبا من علاقات جدلية بنيوية متشابكة، لا يمكن حل جزئياتها أو اشتقاقاتها بدون اعتماد منطقي متبادل بين الأجزاء. فإذا أغفلنا الربط الجدلي فإن حلولا جزئية قد تنجم، ومن المحتمل أن تكون مدمرة؛ لأنها ابتعدت عن التعامل مع القضية التي نحن بصددها بكليتها، فأي حل للجزء قد يشكل تعقيدا للحل الكلي.

مشكلة صفقة ترمب أنها تتعامل مع القضية الفلسطينية كجزئيات وليس كقضية متكاملة تتطلب حلا متكاملا. هو يفسخها إلى قدس ومستوطنات ولاجئين ودولة، الخ. وفي هذا ما يعني التعامل مع القضية الفلسطينية كمًّا وليس كيفًا، والمقاربة للمشكلة الكمية لا يمكن أن تصلح كمقاربة لمشكلة كيفية.

قضية فلسطين ليست قضية كمية، أو قضية أفراد تشردوا، وإنما هي قضية شعب متكامل حضاريا وجذوره تمتد في التاريخ. إنها قضية وطن وجغرافيا وتاريخ وتراث وثقافة وأجيال متعاقبة توارثت الانتماء والتدفق الوطني العاطفي.

وحل مشكلة القدس وحدها لا تتم جزئيًّا بمعزل عن عوامل الترابط الكلي والعضوي بين الأجزاء. ولهذا فشل اتفاق أوسلو، وفشلت تاريخيا كل الطروحات الغربية للتوصل إلى حل لقضية فلسطين. وعلى ذات المنوال، ستفشل كل الطروحات التي لا تتعامل مع القضية بجزئياتها متكاملة.

السياسيون لا يفشِلون هذه الطروحات، وإنما يحاولون عادة إنجاحها، لكن ثقل الترابط العضوي بين الأجزاء يشكل قوة كبيرة تحول دون القبول الشعبي بما هو مطروح. لا ينجح حل لا يأخذ بالحسبان التكامل العاطفي للناس، والترابط الوطني بأبعاده التاريخية والدينية والثقافية والمجتمعية والقيمية.

شعبنا يتخوف كثيرا مما يسمى صفقة القرن، ووسائل إعلام فلسطين تركز على هذه الصفقة وتكاد لا تخلو نشرة أخبار فلسطينية من مواد حول هذه الصفقة. وأنا أريد طمأنة الشعب بأن الصفقة لن تمر حتى لو وافق عليها قادة العرب وسلطة رام الله.

طبعا نحن لا نعرف بنود الصفقة بالتحديد حتى الآن، لكن التسريبات من هنا وهناك تشير إلى انتزاع القدس من أيدي الفلسطينيين نهائيا، وتصفية قضية اللاجئين والبحث عن دولة فلسطينية خارج فلسطين الانتدابية. فإذا كان ابتلاع هذه الطروحات صعبًا على حكام عرب عرفوا بولائهم للدول الغربية والولايات المتحدة على وجه الخصوص، فهل من الممكن أن يبتلعها شعب فلسطين؟ ثقل الموقف الفلسطيني الكلي يتفوق على ثقل موافقة السياسيين. من الممكن أن يسبب ترمب للفلسطينيين إزعاجا، لكنه لن يلحق بهم هزيمة.

صفقة ترمب، فيما إذا أعلنت غبيةٌ من الناحية المنطقية، والتناقض المنطقي لا يشكل تاريخيا قاعدة للنجاح.

ربما يخطر على بال أحدٍ القولُ إن المنطق ليس ركنا أساسيا في السياسة الدولية. من يقول هذا يجهل؛ اللعبة السياسية ليست عنجهية وارتجالا وفهلوة، وإنما تستند إلى مقومات تندرج أغلبها تحت مسمى المنطق، والسياسي الجاهل في علم المنطق لا يمكن له أن يتقن اللعبة السياسية.

والحاكم الذي لا يعرف بالرياضيات لا يعرف بالمنطق وهو بالتأكيد فاشل. ترمب يعرف بالحساب لكنه لا يعرف بالرياضيات، أما الصبية العرب من أولياء العهود والملوك فلا يعرفون بالصياغة اللغوية للأفكار، وليس من المتوقع أن يكون لديهم منطق. محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد ومن لفّ لفهما لا يخيفونني لأنهم يفتقرون إلى أدنى حدود المعرفة.

ربما ينزلق الفلسطينيون القادة إلى منزلق خطر فيتعاملون ولو جزئيًّا مع طروحات ترمب، لكن مصير جهودهم لن يكون مختلفا عن مصير اتفاق أوسلو الذي تناقض منطقيا مع كل مقومات البقاء الفلسطيني.

ترمب يطرح مقاربة منسجمة مع قناعاته، أو مع ما يود أن تكون قناعاته. هو مؤيد للصهاينة ويدعم وجود الكيان الصهيوني، ويرعى أمن هذا الكيان. وهو يعادي الفلسطينيين والعرب والمسلمين. مقاربته صالحة للصهاينة وليس للفلسطينيين، والقرار في النهاية بيد الفلسطينيين الذين لا يملكون السلاح، وإنما يملكون سلاح البقاء العضوي. لقد سبق لأمريكا أن حاولت تصفية قضية اللاجئين، وكذلك فعلت الأمم المتحدة، لكن الفشل الذريع أحاط بهم.

المعنى في النهاية أن التاريخ يحمل في داخله عوامل قوة الشعوب، والحروب تحمل قوة السلاح القاتل، والتاريخ دائما ينتصر. وهناك من يقول إن العقل الفلسفي لا يحسم المعارك، وأنا أقول إن العقل البلطجي هو المهزوم دائما.