الإثنين, 26 آذار/مارس 2018 14:13

الثابت والمتغير في التربية

التزكية أو التربية تتنوع حسب الفرد أو المجموعة، وتتنوع حسب الظرف والزمان. وهذا الفرد أين موقعه،  وما هي اهتماماته ومهمته أو مهماته في المجموعة أو المجتمع. قد يسمي البعض التربية تدريسا أو تكوينا أو تدريبا أو تجربة يقينا كيف ما كان المصطلح، التربية لها ثابت ومتغير.

إن التربية لا تقتصر على فترةٍ زمنيةٍ معيّنةٍ من عمر الإنسان، بل هي عمليةٌ مستمرةٌ معه "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " سورة الحجر آية 99.

والتربية الصحيحة تكوّن شخصيّة الإنسان وتصقل قدراته وثقافته ليكون على تفاعل وتناسق مع المجتمع المحيط به ليسهم فيه بفعاليّة.

الثابت في التربية يخضع للسنن الكونية، لا فرق فيها بين بني الإنسان الذي بلغ سن التكليف وحتى قبله في المجتمعات أو المجموعات الذين فهموا وتدربوا على قواعد المعاملات الاجتماعية، على أساس أن العاقل له مقومات العقلاء ومواصفات لا يُقبل أن يكون فيها في مستوى أدنى.

إن التربية على مبدأ المراقبة الذاتية منذ الصغر، لها آثارها الإيجابية على حياة المسلم، وهي وقاية وحصانة من شرور كثيرة تشكو منها البشرية. منها:

بالنسبة للمسلمين تعلم المعلوم من الدين بالضرورة، تعلم بعيد عن الخرافات وتغليب الترغيب على الترهيب أو العكس، يكون بالقيام بالفرائض والامتناع عن المحرمات بتعلم القواعد وأصول الدين الإسلامي في العبادات والمعاملات والتزكية أو التربية.

هذه التزكية تحتاج لحب الطاعة وبغض المعصية والإتباع للمصطفى صلى الله عليه وسلم لمن أراد الرقي في الدرجات العليا التربوية وهذا نموذج من تعليمه صلى الله عليه وسلم للمراقبة الذاتية:

عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنْتَ أَوْ أَيْنَ كُنْتَ» قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»رواه الترمذي وأحمد.

المحافظة على الوقت والعهود: التعامل مع الوقت واحترامه ولا سيما في المعاملات مع الآخرين - وهو من ضمن خالق الناس بخلق حسن- له أهميته البشرية، والتساهل فيه يصنع الفوضى في المعاملات كلها. الصغير يكبر على البرمجة التي ربياه عليها والديه وينعكس ذلك على محيطه ومعارفه والمجموعة التي يرافقها. لو كان الحزم في تطبيق الالتزام بالواجبات، والمواعيد(مثلا 9:05) من ضمن الواجبات، فالتأخر اليوم ب 5 دقائق وعدم التنبيه عليه وقلة أو عدم المحاسبة على التكرار يولد بلادة الحس والتطبيع مع الانحراف حتى يصبح الملتزم بالوقت والواجبات هو الشاذ والمتهم.

بناء المنطلقات والتصورات:

العمل في المجموعة يقتضي من العاقل أنه قرأ وفهم - بعد استفسار- شروط الدخول ومجالات العمل وواجبات العضو داخل الجماعة، وكذلك واجبات الانخراط مادية أو معنوية، يسأل ليتشرب ويستوعب تصورات الجمعية.

فعلى المجموعة أن تتعامل مع الفرد على أساس أنه عاقل ومسئول على تصرفاته وأعماله وأقواله، وأي إخلال بشروط العضوية من طرف فرد أو أكثر، على المجموعة أن تتعامل معه بما يقتضيه النظام وأن يستخدم العقل والمسؤولية لا المبررات على أساس (وبدون شعور ) أننا أقوياء وهو ضعيف. ولا بأس أن أذكر بهذا الحديث الشريف: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»رواه البخاري.

ولم أر في عيوب الناس عيبا.... كنقص القادرين على التمام. المتنبي.

ولهذا كان التساهل في إقامة المتوسط من الاستطاعة يصنع أشباه الإنسان، وأشباه الملتزمين، وسرعان ما تنهار الجماعة والدولة. لقد تقدم الغرب وتأخر غيرهم، لأنهم وضعوا مناهج لتقييم الجودة ولم يتركوا العاطفة تغلب أو تسيطر على العقل. لكل معيار من الجودة والإتقان مكانته وقوالبه التي تنتج مخرجات من الأعضاء.

استيعاب هذه الاجتهادات التي منطقيا تتطور مع الواقع، فعلى مستوى المجموعة المفروض إذا أخذ العضو على عاتقه تحضير مقال أو بحث أو درس أو ترتيب نشاط، فإن المجموعة تنتظر تحضيرا يليق بالمقام والحضور.

ويكون ذلك ببذل الوُسع: استحضار كل الطاقات الممكنة، من التضحية بالوقت الشخصي، والإنفاق الذاتي في اقتناء الكتب والمعدات اللازمة للموضوع أو النشاط، أو التنقل، وأن يكون مبادرا  .....

إن الله عز وجل يبين للمؤمنين كيف يكونوا أسيادا : " هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" سورة آل عمران آية 139. العلو والسمو لا يصل إليه أحد بالتمني ولكن بالتنظيم المحكم، وبالتربية على احترام المبادئ الكونية والسننية لبلوغ المعالي:

وما اسْتعْصَى على قَـــوْمٍ مَنَالٌ                   إذا الإقدامُ كان لهم ركـابا" احمد شوقي "

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على تلقي الصدمات بقوة العزم : عن أنس، قال: "أتى نبيُّ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة تبكي على صَبِيّ لها: فقال لها: اتقي اللَّه واصبري، فقالت: وما تُبالي أنتَ بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتته، فلم تجد على بابه بَوَّابين، فقالت: يا رسول اللَّه، لم أعرفك، فقال: إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى، أو عندَ أَوَّل صَدْمَة". رواه البخاري وغيره. فهذه امرأة وحديثة عهد بموت صبي لها، ورغم ذلك التوجيه النبوي التربوي هو في اتجاه القوة، التقوى والصبر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. رواه مسلم.

ولا مجال أيضا لتبني بعض الأقوال غير المحفزة والتي لا أصل لها في الإسلام، لا تربي على الجدية من مثل "سيروا سير ضعفائكم". نعم مما لاشك فيه أنه يجب الأخذ بعين الإعتبار ذوي الأعذار الحقيقية غير المختلقة: عن أَنس رضي الله عنه قال: لمّا رجعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ودنا من المدينة؛ قال: إنَّ بالمدينةِ لأَقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد؛ إِلّا كانوا معكم فيه".قالوا: يا رسولَ اللهِ! وهم بالمدينة؟! قال:"نعم، حبسهم العذر".رواه البخاري وغيره.  وقد كتب الدكتور أحمد الريسوني من قبل: مزيد من التخلف.. سيروا سير ضعفائكم

أرجو أن لا يفهم من التحفيز دفع الناس إلى التهور، فالأعذار هو ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة قطعية الدلالة، للبيان أسوق هذا الحديث الشريف: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ - رضي الله عنه - رَجُلًا أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ , وَكَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ , يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَشَاهِدَ أَمْثَالَ الأُسْدِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ , أَرَادُوا حَبْسَهُ , وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَالْخُرُوجِ مَعَكَ فِيهِ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ , فلَا جِهَادَ عَلَيْكَ , وَقَالَ لِبَنِيهِ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ "، فَخَرَجَ مَعَهُ , فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ. الجامع الصحيح للسنن والمسانيد. أظن أن بأمثال عمرو بن الجموح تنصر الأمة، إنه لم يترك لصاحب السيارة مجالا للاعتذار عن حضور محاضرة، أو لقاء، أو مساعدة ولو بعدت ب 10 كلم.

يقول أحد المفكرين: ولست أدري كيف يمكننا أن نمارس النقد الذاتي ونحن نأبى وضع النقاط على الحروف في توضيح دورنا في الأزمات التي نعيشها؟

والحمد لله رب العالمين