الإثنين, 18 حزيران/يونيو 2018 12:09

أعمدة الحكمة السبعة

في عشرينيات القرن العشرين كتب الجاسوس وضابط الاستخبارات البريطانية في الشرق توماس إدوارد لورانس (1888-1935)والمعروف بـ لورانس العرب كتابه الشهير"أعمدة الحكمة السبعة"الذي سطر فيه التفاصيل الكبرى لعامين عاشهما متجولا ومتنقلا في صحاري محيط الجزيرة العربية من المدينة المنورة إلى تخوم دمشق من أجل تشجيع الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني التركي الذي لم يعد العرب يتحملون العيش تحت ظله بعد أن راكم العديد من التجاوزات القانونية والأخلاقية والسياسية الفظيعة.

كان لورانس في هذه الرحلة الملحمية يعمل على تأليب وتحريض القبائل العربية المختلفة من أجل الانخراط في هذه الخدعة، وكان إضافة إلى ذلك يرسم الخطط الحربية ويدبر أمر المعارك ويقدم المشورة والمقترحات لقيادة الثورة العربية، ولأنه كان قد عَرف واطلع على عِشق الإنسان العربي للحرية والكرامة، فقد كان يوزع الوعود على قادة الثورة وعلى القبائل ويُمنّيها بأن ابريطانيا ستحرص بعد دحر الرجل المريض على قيام دولة عربية توحدهم وتحكمهم؛وقد اعترف في كتابة هذا أنه إنما يقوم بخداع العرب واستحمارهم.

إن هذا الشاب الذي لم يتجاوز العقد الثالث من عمره، كان عمليا هو القائد الميداني للثورة العربية ضد الأتراك، بعد أن وقع اختياره على الأمير فيصل ليكون رمز الثروة وملهمها وذلك لبعض المزايا التي تميز بها عن العديد من القادة لكن زعامته صورية وشكلية ليس إلا، أما واقعيا فإن جنارالات بريطانيا وجواسيسها هم الذين كانوا يقودون ويحركون الثورة ضد الحكم العثماني المركزي لغاية في نفوسهم.

صحيح أنه جاسوس ومخادع وماكر؛ ولكنه صاحب فلسفة ورؤية خاصة في الحياة، سخّر ذكائه لخدمة نوايا بلده وإن كانت دنيئة ولا إنسانية، إن الطريقة التي حمل بها أولئك البدو الرحل والقبائل المتطاحنة على الاتحاد والتعاون من أجل إسقاط الحكم التركي تجعل منه بحق نبي الجواسيس في القرن العشرين، لكنه في المقابل وبعيدا عن الفكر التآمري؛ يمكن عده مصدر إلهام بما تميز به من روح الثبات والتضحية ومعانقة المخاطر وتحدي الظروف المعيشية وقساوة الطبيعة من أجل تحقيق هدفه الذي لم يبرح خطته حتى حققه، وهو إنجاح الثورة العربية وإجلاء العدو العثماني؛ أو بصيغة أخرى تفكيك العالم الإسلامي وجعله قابلا للإستعمار.

من خلال دعمها للثورة العربية ضد الدولة العثمانية كانت ابريطانيا تمهد الأوضاع للضربة القاضية التي ستقصم ظهر الأمة الإسلامية، إنها اتفاقية الشؤم(سايكس بيكو) التي أعادت رسم خريطة العالم الإسلامي بعد أن مزقته تمزيقا، وهي لم تعمل فقط على تفكيك وحدة ولحمة الأمة وإنما وضعت اللبنات الأولى لغرس الكيان اللقيط إسرائيل في جسد الأمة وذلك بإقرار وعد بلفور سنة 1917م إبان اشتغال العرب بالثورة الساذجة.

إن ابريطانيا ليست هي من صنع الثورة ضد حكم الرجل المريض؛ ولكنها في الأخير هي التي ربحت غنيمة تلك الثورة وحولتها لصالحها بعدما رعتها ودعمتها ماديا ومعنويا، وقد كان نجاح الثورة هو بداية النهاية الحضارية للعالم الإسلامي، وقد اعترف لورانس أن قصة الثورة العربية من أولها إلى آخرها وإن كانت قضية حياة أو موت بالنسبة للعربي، أو قضية ضمير، أملتها الظروف التي عانها من جراء حكم الرجل المربض، لكنها كانت بالنسبة لبريطانيا قضية مستقبل أو قضية مصالح استعمارية كولونيالية يتوجب حمايتها والدفاع عنها.

ما هو الدرس التي يفرض نفسه هنا؟ إن الثورات العربية التي هبت في الوطن العربي في السنوات الأخيرة، لم تكن صناعة غربية خالصة؛ ومن الحماقة الاعتقاد بهذا الرأي المتهافت والسخيف الذي يُصوّر الإنسان العربي كأنه دمية جامدة لا تقدر على شيء، لكن الغرب الذي تحركه نزواته الاستعمارية ومصالحه الاقتصادية وغيرها لن يظل محايدا إزاء هذه الثورات، فهو إن لم يصنعها فمصالحه المتشابكة تفرض عليه التدخل في توجيهها إلى ما يضمن استمرار مصالحه، وهنا وكأن التاريخ يعيد نفسه، فما وقع في الثورة العربية الكبرى يعاد بطريقة أخرى مع هبات الربيع العربي.

ومن سيئات الصدف أن تكون سوريا في الثورة العربية الكبرى هي آخر منطقة يتم تحريرها مما سموه العدو العثماني، لقد كانت هي آخر مراحل الثورة، لكن وضعها في ثورات الربيع العربي جعلها تبقى ثورة معلقة فاقدة للأمل، وقد كتب لورانس العديد من التقارير السرية، قال في أحدها: (إن شئنا ضمان السلام في جنوب سوريا والسيطرة على جنوب بلاد ما بين النهرين وجميع المدن المقدسة فيجب أن نحكم دمشق مباشرة)وهكذا الكلام يوضح المكانة الإستراتيجية لسوريا بموقعها الجغرافي التي تتمتع به في الشرق الأوسط، ويلقي بعض الأضواء عن السبب الذي جعلها تتحول إلى عقدة مستعصية عن الحل، إن تفكيك سوريا هو المدخل لتفكيك الشرق الأوسط كاملا وإعادة وضع سايكس بيكو جديدة.

إن أهم درس يمكن استخلاصه من التاريخ الإنساني هو أنه الشجاعة لا تجتمع مع البلادة والسذاجة في الثورات؛ إما أن تكون ثورة نبيهة قائمة على الوعي بالمآلات وعلى دراية تامة وكاملة بما يتربص به العدو إزاءها، وإن لم تكون كذلك فستنقلب إلى ضدها، فالذي لا يستطيع أن يدير ثورته لصالحه؛ فحتما سيظهر من يسرقها منه ويُخضعها لحساب آخر لا يخطر على بال صاحبها.